
تمضي مشيئة الله على أن المصائب كحبّات السبحة المنفرطة،
لا تأتي بهوادة، بل سراعاً متتابعات، تجرُّ الواحدة أختها الأعظم!
البارحة ظننتهُ يوم عسير على مثلي وأنَّى لمثلي الصمود؟
حتى أتى اليوم،
ليصعقني ويزيد قلبي الضعيف مالا طاقة له به.
مسجونٌ لم يعد بعد، هاتفته لأول مرة بعد مرور زمن طويل أنساني كيف يمكن أن أتحدث مع مثله،
وشهيد وصلتني بقاياه اليوم، كطهره تماماً،
دهنُ عودٍ، قطعة ملابس داخليّة-حسب طلبي-،
ودفتر وكتاب وشهادات،
خبرٌ أساءني لمرض حبيبةٌ لي،
سفر قطعة القلب طلباً للعلاج،
…والحزنُ يطول،
لستُ هنا لسرد ماأمر به، ولا أحتاج لتبرير الحزن، ربما لتشاطروني بعضها..
أو ربما لاستفزاز بياض الورق سواد قلمي وحزني!
كان آخر النبضِ قبل ساعة من السفر..(شكراً لكل الجمال الذي منحتيني إيَّاه).
ويحي!
أحقاً مايصدر مني (جمالاً)؟
إذاً ماأقول عن الجمال حين يتغذّى على رفيع خلقه؟
علّمني كيف أحيا، كيف لقلبي أن يكون أقوى، أن لا أعيش إلا بالحب ولا مجال لغيره هاهنا.
كنتُ بكَّاءة أُكثر من التذمر، أصبح دمعي عصيَّاً على التوافه باذخاً حين أشتاقه.
حتى آخر لحظات الألم/الوداع..
كان يوصيني بالقراءة والإطّلاع والإستماع إلى بعض الأشرطة و..و..،
-أيضاً لستُ بصدد إلقاء نصائحه عليكم هنا.-
أعلم أن رأسه حينها سيتشطّر من شدّة الصداع،
ذاك الصداع لم يمهله أبداً ليهنأ بنومٍ أو حياة أو نشوراً، لكنه لم يشتكي قط،
بل يرخي سمعه دائماً، ويحبني مادامت الديمومة.
يتسللُ إلى أذني الآن صوت أذان الفجر،
الصوت الذي لن تسمعه في غربتك،
أشعر كأني تائب لأول مرة يسمع هذا اللحن،
نفضت ستائري ورفعتها، أريد لرئتيّ أن تحيا مجدداً،
لا أكترثُ كثيراً إن كان في المنزل المقابل من يسترق النظر إليّ؛ بالتأكيد سيلمس حزني ويبكي على مقربة منّي.
لا أتّبع النصارى حين يشعلون الشموع في كنائسهم،
ولا أؤمنُ بأنها رمز الرومانسيّة كما الناس،
- أيّ رومانسيّة في حرق الأشياء!-
لكني أشعلتُ شموعي اليوم؛
لا حداداً بل مرارة الحزن والفقد، ولوعة الوحدة.
أنا والشموع.. نذوبُ احتراقاً مع دقَّات الزمن،
نبكي مع رؤيةِ أعضاءنا تحترق على شكل قطرات، ثم تترمّد سريعاً أو بطيئاً، لا أحد يأبه.
حين أتذكّر نبضك الأخير هنا،
(شكراً لكل الجمال الذي منحتيني إيَّاه)
أشعرُ بأني حمامةً تريدُ الطيران، سأصل إليك هناك في البعيد الذي لا يُطال،
ثم أذكر أني بلا أجنحة فأبكيكَ وأندبُ ألمي له فلا أحد معي سواه.
سأخصف أجنحتي قبل مجيئك،
أثقُ بأن الرب سيعيدك لي سالماً مُعافاً؛ فقد قال (أنا عند ظنّ عبدي بي)
وأنا أظن به خيراً وأنه سيعيدك لنا، مع دعائي لك في كل صلاة..
أرجوك عد قبل انطفاء شمعتي.
الخميس؛ 5:5 صباحاً
8/9/2005